محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
103
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
البلد رأيت منكرا احتجت أن آمر فيه بالمعروف ، فأخذوني وضربوني ؛ فقلت في نفسي : من أين أصابني هذا الضرب على جوعي ! ! فنوديت في سرّي : إنما أصابك ذلك ، لأنك سكنت إلى معارفك بقلبك ، وقلت : إنهم يطعموني إذا دخلت البلد » . وحكى عن إبراهيم بن شيبان ، رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : « كنت بحلب ، واشتهيت شبعة من الخبز والعدس ، فاتفق ذلك فأكلت حتى شبعت ، فرأيت على باب المسجد قوارير « 1 » معلّقة شبه إنموذجات ، فتوهمتها خلّا ، فقال لي قائل : أما تنظر إليها إنها خمر ! ! فقلت : لزمني فرض ، فدخلت الحانوت فلم أزل أصبّ دنا دنّا « 2 » حتى أتيت على الجميع ، فأخذوني وضربوني مائة خشبة وطرحوني في السجن أربعة أشهر حتى دخل أستاذي أبو عبد اللّه المغربي البلدة فسمع بحالي فشفع لي ، فلمّا وقع بصره عليّ ، قال : ما شأنك ؟ قلت : شبعة خبز وعدس ، وضربت مائة خشبة ، وسجنت أربعة أشهر ، فقال لي : نجوت مجانا ، أي : وردت عقوبة هذه الأكلة على ظاهرك ولم تقدح فيما كنت فيه من سرائرك ، فكان ذلك رفقا من اللّه بك » . قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « وما أصدق ما قال ؛ فإنّ من أدّب في دنياه فيما يتعاطاه من متابعة هواه ، فقد خفّف عنه في عقباه ، بل طهّر بالتأدّب جوهره ومعناه » . وحكاية « خير النسّاج » « 3 » رضي اللّه تعالى عنه ، المشهورة من معنى ما ذكرناه ، فانظرها ، ففيها عبرة للمعتبرين . قال الحافظ أبو نعيم ، رضي اللّه تعالى عنه : « حدّثني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه قال : سألت خيرا النساج : أكان النسج حرفتك ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين سمّيت به ؟ قال : عاهدت اللّه ، وعقدت أن لا آكل الرطب أبدا ، فغلبتني نفسي يوما فأخذت نصف رطل ، فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إليّ وقال : يا خير ، أين هربت مني ؟ وكان له غلام اسمه « خير » فوقع عليّ شبهه وصورته ، فخنقني ، واجتمع الناس فقالوا : واللّه هذا غلامك خير ، فبقيت متحيّرا ، وعلمت بماذا أخذت ، وعرفت جنايتي ، فحملني إلى حانوته
--> - بلاد الجبال ، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا . ( معجم البلدان 3 / 116 ) . ( 1 ) القوارير : ( ج ) قارورة : وعاء من الزجاج تحفظ فيه السوائل . ( 2 ) الدّن : الجرة الضخمة للخمر والزيت والخل وغيرهما ( ج ) دنان . ( 3 ) خير بن عبد اللّه النساج ( 202 - 322 ه - 817 - 934 م ) متصوف معمر ، من كبار الزهاد . أصله من سر من رأى . نزل ببغداد وصحب الجنيد والخوص وكثيرين ، ثم كان أستاذ الجماعة ، أخباره كثيرة وله كلمات مأثورة . ( الأعلام 2 / 326 ، والرسالة القشيرية ص 437 ) .